قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, July 4, 2017

نقوش - 3 - الأخيرة



spc

رسوم الفنان طارق عزام

هرع عماد إلى الشاشة ليرى ما يقوله ألتيما العظيم:
- «أزل الظلام يا زور»

فتزول الغيوم على الشاشة ويظهر ألتيما بوجهه المميز الأخضر، ويتكلم:
- «هذا هو العالم 1917 – ب… للمرة الأولى نقابله»

بدا الرقم مألوفًا بالنسبة لعماد، فتساءل ذهنيًا:
- «أنا متأكد أننا كنا في عالم بهذا الرقم من قبل»

- «زور لا يرتكب أخطاء»

لم يكن عماد من الذين ينسون الأرقام بسهولة، دعك من أن الرقم 1917 لا يمكن نسيانه.. في العام 1917 نشبت الثورة البلشفية في روسيا، وهو نفسه عام وعد بلفور المشئوم الذي أدى لابتلائنا بإسرائيل.. لا يمكن نسيان رقم 1917 أبدًا….

- «زور لا يرتكب أخطاء»

عاد عماد يتساءل:
- «هل هو يشبه العالم الذي جئت منه فعلاً؟»

- «يشبهه جدًا لكنه ليس هو.. يماثله تمامًا ومن الوارد أن تجد أنه يماثل نفس الزمن الذي جئت منه»

- «وما العالم الذي جئت منه أصلاً؟»

- «العالم 1917 - ج ..»

جاءت (كيفياليبانماياسوش) وقد بدا عليها الحزن، فاحتضنت عماد من الخلف كعادة أهل زور، واعتصرته بقوة وهمست في أذنه:
- «القرار قرارك.. يمكنك أن تتركنا وترحل أو تدخل الممر الأفعواني الذي يقودك للعالم 1917 – ب»

مها.. مها وأشرف.. بيتي.. سيارتي.. شوارع القاهرة المغبرة المزدحمة.. اللغة العربية.. دور السينما والمولات والمطاعم. السماء فوق رأسك بعيدًا عن هذا العالم العضوي اللين الشبيه بالرحم من الداخل.. لا شك أن الإغراء شديد.

ثمة احتمال قوي جدًا أن تجد نفسك في عالم يشبه عالمك.. يشبه أرضنا.. وهذا معناه أن تجد أناسًا آخرين ولربما تجد زوجتك مها أخرى وابنك أشرف آخر. فهل سيعرفانك؟ وماذا لو قابلت أنت آخر؟

برغم هذا شعر بالحنين يعتصره..

رباه!.. كانت لحظات قاسية وهو يحتضن (كيفياليبانماياسوش) و(جراموسانتافونمك). لحسن الحظ أن هؤلاء القوم لا يبالغون في العواطف وإلا لرأينا مشهدًا هستيريًا…

اقتادته (كيفياليبانماياسوش) إلى ممر عضوي طويل.. ممر ينقبض وينفتح يذكرك بالحالب من الداخل.. الأرضية زلقة ولها رائحة عطرية غريبة.. لم ينظر للخلف ومشى نحو نهاية النفق المظلمة.. لا توحي أبدًا بوجود عالم خارجي. في الظلام الدامس خطا خطوة واحدة متأهبًا لأن يسقط في هاوية بلا قرار…

فجأة شعر بأنه يدخل دوامة رهيبة….

إنه في الطائرة!… الطائرة المصرية التي بدأ بها مغامرته.. والأغرب أنه يلبس كامل ثيابه والخوذة.. برج المراقبة يواصل تحذيره من العاصفة الرعدية!!

استعاد السيطرة على الطائرة التي تنحدر بسرعة جهنمية، ثم دار متجهًا نحو القاعدة الجوية.

كان يفكر في عمق.. هذه هي اللحظة فعلاً.. هذا هو العالم كما تركه بالضبط، لكنه لن يطمئن حتى يرى وجوه رفاقه في القاعدة.. يرى القاعدة نفسها..

عندما هبطت الطائرة أخيرًا والمظلة خلفها، رأى الفنيين يقفون.. وهرع واحد منهم نحو الطائرة لدى توقفها. انفتحت قمرة القيادة فرأى وجوه زكي ونبيل وعلاء.. كلهم هنا…

- «كنا قلقين عليك… العاصفة الرعدية كانت مخيفة!»

هكذا هو أمضى لحظة واحدة بمقاييس أرضنا.. لحظة واحدة لكنها تماثل عدة أشهر في زور.. ألعاب النسبية التي لم يفهمها قط…

المهم هنا أن هذه هي أرضنا فعلاً.. لا تشبهها بل هي. حتى أنه فكر في قلق أن تكون كل هذه المغامرة هلوسة شعر بها نتيجة نقص الأكسجين.

العالم 1917 – ب… لقد رآه مرتين.. جاء منه وعاد له، ومعنى هذا أن ألتيما العظيم قد أخطأ.. لا شك في هذا.. قد يكون هذا هو العالم 1917 – أ أو 1917 – ب أو 1917 – ج .. المهم أن ألتيما ظن أنهم لم يروا هذا العالم قط….

لم يكن قد اختفى بتاتًا بالنسبة للآخرين، وحتى عندما عاد لداره واحتضن مها وأشرف في نهم كأنه يحشرهما في صدره، لم تفهم زوجته سبب كل هذه العاطفة:
- «تتصرف كأنك كنت في عالم آخر وعدت منه»

لا تعرف كم هي صائبة…

***************

في أمسية هادئة جلس يشاهد إحدى القنوات التثقيفية وهو يرشف الشاي بعد العشاء..

وكانت القناة تحكي عن عالم ياباني…

هذا العالم الياباني يدعى ماساتو ساكاي، وقد كون فريق بحث مهمًا لاستكشاف ظاهرة غريبة في بيرو.. جنوبي ليما. الظاهرة موجودة في صحراء نازكا عند جبال الإنديز.

انتقلت الكاميرا لترينا رسومًا عجيبة التقطت من طائرة..

هذه الرسوم العملاقة يصل طول بعضها لـ200 متر.. رسمت بلون أبيض على أرض رمادية. بعض الرسوم يمثل قردًا وبعضها يمثل طائر الطنان أو نسر الكوندور الذي اشتهرت به بيرو أو عناكب..

خطوط نازكا.. الأثر الجيولوجي المهم الذي ضمته اليونسكو..

من رسم خطوط نازكا؟ ما القدرة السحرية لدى الإنسان القديم منذ 2000 سنة التي جعلته يرسم على هذه المساحات الشاسعة؟… هذه رسوم لا يمكن فهمها إلا من طائرة.. فكيف يمكن رسمها؟

قال العالم الياباني إنه من الواضح أن من رسم نازكا رسم نماذج صغيرة ثم قام بتكبيرها بطريقة المربعات.. هذا طقس ديني يطلب الخصوبة للأرض…..

سقط كوب الشاي من يد عماد..

يعرف جيدًا هذه الرسوم… يعرف اليد التي رسمتها.. لكنه لم يكن قد رآها في بيرو من قبل. لم ير هذا الفيلم من قبل.

«وجد صخرة على الأرض، فأمسك بها وركع على ركبته.. بدأ يخط على التربة أشكالاً..
هل هذا هو الرسم؟
ابتسم وواصل العمل دون أن يقول شيئًا..
رسم عنكبوتًا لا بأس به.. ثم رسم نسرًا يفرد جناحيه… لم تكن رسومًا رائعة لكنها ترمز للشيء بشكل ذكي.. ثم أنه خط خطوطًا تمثل قردًا.. تمثل عقربًا..
هلل الطفل وقد راقت له هذه اللعبة فبحث عن صخرة أخرى وراح يحاول تقليد أبيه في الرسم.. وشعر عماد برضا. لديه ما يعلمه لهؤلاء القوم، فهم مثلاً لم يسمعوا قط عن نشاط اسمه الرسم».

إذن هو رحل من العالم 1917 – ب…. عاد له ذات مرة غير عالم بأنه فيه… ثم عاد له مرة أخيرة.. ثلاث مرات، لكن خطأ ألتيما جعل عمادًا غير قادر على الفهم..

عماد هو من رسم خطوط نازكا… (زور) نقله لكوكب الأرض منذ 2000 عام من تاريخنا هذا، وجعله عملاقًا بحيث صارت نقوش نازكا هائلة الحجم مجرد نقوش بحجر على الأرض..

كان عماد يعرف حدوده جيدًا.. لن يتكلم أبدًا… وإلا فالطريق إلى الفصل من عمله وإلى مستشفى المجانين ممهد. أنا من رسم خطوط نازكا منذ 2000 سنة يا بروفسور ماساتو ساكاي.. كنت في زور وهذا يفسر كل شيء.

جلس لساعات يرمق شاشة التلفزيون التي تعرض برامج وثائقية أخرى.. كان شاردًا…

(كيفياليبانماياسوش) و(جراموسانتافونمك).. هل يراهما ثانية…؟

هل يعود لزور مرة ثانية؟

الإجابة لا طبعًا.. هذه الصدف لا تتكرر.. ثمة احتمال واه أن تكون رحلته لزور كلها هلوسة بسبب نقص الأكسجين لحظة الدوامة الرعدية، لكنه يعرف في قرارة نفسه أن هذا كله قد حدث فعلاً…. لم تكن هلوسة….

أغلق جهاز التلفزيون ونهض لينام.

تمت