قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, June 28, 2016

تَنصُّت – 3


رسوم الفنان «طارق عزام»

عندما وجد عماد جثة مصطفى الملقاة كالشيء في ركن الشقة، وقد تهشم عنقها والتوى، ورأى نظرة الرعب في العينين، فقد أدرك أن اللعبة دخلت طورًا خطيرًا.

كانت كلمات مصطفى في الليلة السابقة غريبة موحية. رباه! .. لشد ما بدا مذعورًا .. يعرف هذا الذعر الوحشي عندما يلتمع في العيون، وأكثر العيون تخويفًا هي التي توجد في وجوه ناحلة ضامرة… الوجه هنا يتحول كله لعينين..

كان قد جاء في موعده ودق الجرس مرارًا .. ليس هذا بموعد يغادر فيه مصطفى البيت. هذه المرة تذكر أن معه المفتاح .. أولجه في القفل ودخل ليرى المشهد المخيف.

مصطفى مات وحده في شقته .. لا يوجد شيء يدل على أنه انتحر أو مات بطريقة معتادة .. لا يوجد تسرب غاز ولا عقارات سامة . لم يطلق عليه الرصاص أو يذبح. مصطفى قتل .. وقتل بطريقة بشعة محيرة بلا شك. الشقة مغلقة من الداخل ككل قصص الغرف المغلقة التي تخصص فيها جون ديكسون كار. الأمر كله عصي على التفسير .

ما فعله هو أنه أخذ الملف السميك الذي يضعه مصطفى أمامه، وأخذ مفتاح المختبر وغادر الشقة ..

كان عليه أن يقوم بواجب أكبر نحو صديقه الميت، لكنه كان عمليًا، وقد أدرك أن الوفاة لغز لن تستطيع الشرطة حله. هم فقط سيجعلون حياته جحيمًا .. هو المشتبه فيه رقم واحد لأنه يزور مصطفى في البيت والمختبر. هو الوحيد الذي يعرف الكثير عنه. على الأرجح لا أحد يعرف بالمختبر سواه. عليه أن يستقر هناك بعض الوقت محاولاً فهم ما كان مصطفى يريد قوله. ليس من مصلحته ولا مصلحة الفقيد أن يقبض عليه أو يتهموه بشيء.

كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل عندما فتح باب المختبر الموجود في المقطم. في الظلام الدامس كانت شاشات الكمبيوتر تعمل وتلك الآذان مسلطة للفضاء . لا تعرف هذه الأجهزة أن خالقها قد مات بعنق ملتوٍ ..

أو ربما تعرف!!!

أضاء عماد الأنوار، فبدأ نوع من البهجة والاطمئنان يتسللان للمكان. لاحظ أن باب الثلاجة مفتوح .. لكنها ما زالت تعمل والطعام بداخلها لم يفسد. مصطفى صديقه شارد الذهن كأي عالم آخر وبالطبع يخلط بين الثلاجة وجهاز التكييف. أخرج زجاجة مياه غازية ففتحها ثم اتجه إلى الأريكة حيث الكمان الملقى .. الكمان الذي كان قطعة من روح مصطفى. همس له:
ـ«صاحبك لن يعود .. وأنا حمار في العزف كما تعلم»

ثم مد يده الحرة ليقلب صفحات الملف الذي أخذه من صاحبه ..

كان الموقف أسوأ مما توقع .. هذه صفحات مذكرة درس خصوصي في الفيزياء أو أسوأ. مستحيل أن تفهم شيئًا من الرموز والمنحنيات والدالات. لا بد من أن يجد شخصًا يفهم الفيزياء..

-«لقد استكملت جزءًا من الصورة .. البيانات الرقمية لا تشير لخارطة على الإطلاق. هذه الكيانات لا ترسل لي إحداثيات»

قالها مصطفى أمس ولم يفهم معناها .. قال كذلك:
-«الاتصال أعقد من إحداثيات صورة كما تخيلت أولاً..»

هناك على الجدار كانت تلك الصورة الرقمية التي يقوم مصطفى بجمعها بالنقطة .. بيكسل بيكسل كما يقول. لقد قام بطبعها على طابعة عريضة أو ربما (بلوتر)، ليظهر الشكل النهائي الذي لم يكتمل.. هناك ملايين الرموز، لكنك من بعيد .. من هذه المسافة ترى – على طريقة الطباعة النقطية – أن هناك صورة، وهذه الصورة تتضح كلما ابتعدت أو أغمضت عينك نصف إغماضة .. الصورة ليست خارطة على الإطلاق.. بل هي ثلثان علويان لوجه امرأة .. ربما أنت مخطئ .. هذا التأثير الخادع يعرف باسم باريدوليا Pareidolia وهو نوع من محاولة المخ البشري لجعل العالم الخارجي المخيف مألوفًا..

ربما هي شخبطة .. ربما هي امرأة .. لكن المؤكد أنها ليست خارطة ..

راح يقلب الصفحات في الملف ..

أخيرًا وجد ما يريده.. كلمات عربية .. هنالك في الصفحة الأخيرة. مصطفى قد قرر أن يكتب بالعربية بدلاً من كل هذه المعادلات. خطه رديء طبعًا بسبب اعتياده الكتابة بالإنجليزية أو الرموز. كانت الكلمات تقول:
-«الحقيقة هي أنني أخطأت الطريق. الإشارات التي أتلقاها جعلتني أعتقد أن هناك من يخاطبني من بعد آخر. أي: كائنات فضائية على كوكب آخر تحاول الاتصال وترسل لي إحداثيات هبوطها. ثم بدأت أمور غريبة تحدث في المختبر .. المقاعد تتحرك .. كتابة على لوح الكتابة لم أكتبها أنا .. صنابير الماء تنفتح ..وفي مرة من المرات وجدت أنها تسيل دمًا. الصور تتحرك على الجدار.»

-«هذه ليست تصرفات كائنات فضائية .. الكائنات الفضائية تحاول الاتصال، لكنها ليست هنا لتحرك وتتلف. ثم هذا الشكل الذي يتجمع ببطء.. خطوة خطوة. هذا وجه امرأة . لا علاقة له بالخرائط.»

-«ما أعتقده هو أن المختبر مسكون .. أنا لم أخترع جهازًا لالتقاط الإشارات الفضائية، بل ابتكرت جهاز تحضير أرواح !.. لم أتصل ببعد آخر لكن اتصلت بعالم آخر!!!.. ما حدث هو أن المختبر مليء بالأرواح، وهي تعبث بي..»

-«تفسير هذا؟ هناك نظريات عدة في ذهني، لكني أميل للاعتقاد أن هناك جثة في هذا المختبر!.. لاحظ أن الشقة كلها قديمة، لكن الحمام تم تجديده جيدًا. لو أن هناك من دفن جثة في الحمام، وغطاها بالخرسانة ثم ثبت طبقة بورسلين فوقها فمن يلاحظ؟ من كان الملاك القدامى وماذا كانوا يعملون؟ أفكر جديًا في المجيء ببعض العمال ليزيلوا بورسلين الأرضية في الحمام، لكني لا أملك الشجاعة ولا الوقت. أنا أعرف يقينًا أن هناك جثة امرأة .. هذا الوجه الذي ترسمه لي الإشارات هو وجهها»

-«أنا مذعور .. العلامات المقلقة تتزايد، وعلى الأرجح أنا على حق. سوف أنهي أوراقي بسرعة وأعود للولايات. مصر قد أرهقت أعصابي»

أغلق عماد الملف شاعرًا بالحيرة ..

مصطفى قد جن حتمًا.. انتقل تفكيره من قمم العلمية المنطقية إلى كهوف الميثولوجية الميتافيزيقية. ما كان عماد ليتصور أن يكتب صاحبه هذا ..

نهض ليمشي في أرجاء المختبر .. دخل الحمام ليراقب البورسلين الأنيق…

هناك شيء غريب يحدث .. هو متأكد من هذا .. قصة الشاي الذي لا يغلي مثال بسيط .. لا يوجد مقعد يظل في مكانه عدة نصف ساعة في هذا المختبر … الأنوار تعبث .. تلف موجات الهاتف …

هذه حركات أشباح أو بولترجايست .. لكنه آخر من يؤمن بهذا الكلام.

أخرج الهاتف .. وجد أن هناك شبكة والحمدلله. طلب أحد العمال الذين استعملهم ليجدد شقته قديمًا. تعال غدًا ومعك فأس .. سوف نحطم بعض البورسلين ..

ثم وقف يراقب أجهزة الكمبيوتر التي تتلقى الإشارات من الفضاء. هل يكون كلام مصطفى صحيحًا؟ أن يكون هذا جهاز تحضير أرواح ضخمًا متقنًا لا أكثر!

هنا سمع النغمة .. النغمة الحزينة الرقيقة .. لم ينظر ليرى .. لقد عرف على الفور..

الكمان الملقى على الأريكة يعزف نفسه بنفسه!

يُتبع